قراءة مقاصدية في فلسفة الصيام*

كتبهامجيب الحميدي ، في 10 أكتوبر 2006 الساعة: 17:33 م

 
مجيب الحميدي
تتجه حركة الحضارة الحديثة في فلسفاتها وفنونها إلى تأكيد محورية الجسد والتحريض على تلبية غرائزه دون قيود تضبط مسار هذه الغرائز وتفرض عليها نوعاً من الرقابة
والإسلام دين الفطرة لا يتنكب للغرائز ولا يغفل تلبية مطالبها الضرورية ولم يطالب إلا بوضعها في إطار نظامي يخضع لوحدة تحكم(كنترول) لتجنيب البشرية عواقب الإطلاق الفوضوي للغرائز.
وفي تقديري أن وحدة التحكم المكونة من مجموع أحكام الحلال والحرام ليست أكثر من جدار حماية للجسد ذاته من عواقب إطلاق عنان الغرائز بصورة فوضوية ابتداءً من أمراض التخمة وتعطل وظائف الأجهزة مروراً بالإيدز وسلسلة من الآفات والفيروسات المتجددة وانتهاء بالصراعات العسكرية وحروب الدمار الشامل والكوارث المتلاحقة الناتجة عن تنامي النزعة التدميرية العدوانية البشرية .
لا نستطيع أن ننكر أن الروح الإبداعية تضيق ذرعاً بأنظمة السيطرة والتحكم إلا أننا لا يمكن أن نتجاهل أن الحضارات المادية لا تقوم ركائزها إلا على أساس عدد من الأنظمة التحكمية لضبط مسار الجهود والطاقات في اتجاه المخرجات المتوقعة على ضوء العمليات التي تستوعب جميع المدخلات.
وجميع أحكام الشريعة وعلى الأخص ما يتعلق بالحدود والعقوبات الردعية تندرج في تصوري في إطار وحدات التحكم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية للحد من الانحراف عن السياق العام للمجتمع. ومن وحدات التحكم التي أقرها الإسلام للحفاظ على الحقوق العامة فريضة الشورى التي شرعها الإسلام حتى لا يقع الناس في شرك السلطات المطلقة لأن الميل إلى الطغيان غريزة بشرية (كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى) وإن تجد ذا عفة فلعلة لا يظلم على حد تعبير المتنبي والشورى علة مانعة من الظلم والتعدي ولهذا جعلها القرآن في منزلة وسيطة بين الصلاة والزكاة.
ولأن الطغيان يتجدد ويتطور ويتعقد فلا بد من تحديث وتطوير آليات الشورى (جدار الحماية) لتقوم بوظيفتها على الوجه الأمثل ولا مانع من استيراد هذه الآليات من أي حضارة كانت طالما أكدت التجارب جدوى هذه الآليات في الحد من الطغيان .
وقبل اهتمام الإسلام بوحدات التحكم الخارجية أولى الإسلام تنمية وحدة التحكم الداخلية في سريرة كل مسلم أهمية بالغة فقد جعل الله الغاية من جميع العبادات تنمية وحدة التقوى والاتقاء ويأتي الصيام في شهر رمضان لتحديث وتفعيل هذه الخاصية(لعلكم تتقون) وجاءفي الحديث(الصيام جُنة) أي وقاية فهو وقاية نفسية وحضارية للمجتمع يستعيد فيه الإنسان إنسانيته وينتصر لحقيقة جوهره فقوة وحدة التحكم (التقوى) عند الإنسان دليل على رجاحة ملكاته العقلية ونفاسة خصائصه الإنسانية بل إن جوهر إنسانية الإنسان يكمن في هذه الخاصية (التقوى).
فالصيام ليس أداة تعذيب للجسد للارتقاء بالروح كما يفهم ذلك بعض أتباع المذاهب والديانات المختلفة ولكنه وسيلة تهذيب وتقوية للإرادة من خلال الامتناع عن طيبات المأكل والمشرب خلال فترة زمنية محددة وكأن الخالق عز وجل يفتح لعباده من خلال هذا الصيام عدداً من الذرائع لاختبار إرادتهم وتقوية مناعتهم الذاتية التي تحميهم في ميادين الحياة المتعددة وفي هذا تأكيد على أن التوسع في منهجية التحريم وسد الذرائع لا يستقيم مع القصد الإلهي الذي شاء توسيع ميادين الابتلاءات أمام الإنسان ويحضرني هنا قوله تعالى (يا أيها الذين أمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم ) فتقريب الذريعة حتى تكون في متناول اليد غاية ربانية مثلها مثل الصيام الذي يفتح أمام المسلم عدداً من الذرائع المفضية إلى الوقوع في المحظور ولكن في أجواء أمنة تصفد فيها الشياطين وتفتح أبواب الجنان ويقدم المولى في هذا الشهر عروض مغرية للمسارعين في الخيرات فالفريضة كسبعين والنافلة كالفريضة وتصل هذه العروض إلى مرحلة الذروة في العرض الخاص والمتميز في ليلة القدر.
وكأن رمضان دورة تدريبية للتعامل مع الذرائع في ظروف أمنة حتى يتعلم المسلم كيفية التعامل مع هذه الذرائع
في الظروف غير الآمنة ، الأمر هنا أشبه بعملية التلقيح ضد الأمراض بواسطة الفيروسات الآمنة.
وفي هذا السياق يمكن أن نفهم الحكمة الإلهية من امتحان الله لقوم طالوت قبل الدخول في المعركة بنهر جار من الماء وطلب الامتناع عن الشراب وكما أمتحنهم بنهر امتحننا بشهر
 
*الثقافية
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر