الصوفية وتعطيل الطاقات عندما تتحول الوسيلة إلى غاية مجيب الحميدي*

كتبهامجيب الحميدي ، في 2 نوفمبر 2006 الساعة: 22:49 م

 
 
 
كانت الصوفية في أول نشأتها ردة فعل لانغماس الناس في ملذات الدنيا الفانية وما صاحب ذلك من تنافس محموم وصراعات وتشوهات مسلكية  نتجت عن تضخم الذات الأنانية وتفشي الكراهية وانحلال الأخلاق.وكانت العزلة والهروب من الواقع هي الحل الأمثل لأصحاب القلوب الحية والضمائر المؤمنة للحفاظ على التماسك القيمي والأخلاقي أمام إغراءات الواقع المعتل.
وفرت الصوفية الحماية الصحية اللازمة لمنتسبيها من عدوى الآفات الأخلاقية والمسلكية المتفشية، ومع تعاظم أدوارها تحولت الصوفية إلى مدرسة تربوية لمجاهدة النفس وإعادة تشكيل الشخصية المسلمة وجدانياً وذوقياً وفق النموذج المثال الذي رسمه مشايخ الطرق الذين رسموا أيضاً خريطة الطريق للوصول إلى هذا النموذج عبر درجات ومقامات وأحوال متفاوتة.
هذا الاستقراء التاريخي لنشأة الصوفية أكده ابن خلدون في مقدمته فقال معرفاً علم التصوف"هذا العلم من العلوم الشرعية الحادثة في الملة، وأصله أن طريقة هؤلاء القوم لم تزل عند سلف الأمة وكبارها من الصحابة والتابعين ومن بعدهم طريقة الحق والهداية، وأصلها العكوف على العبادة والانقطاع إلى الله تعالى ، والإعراض عن زخرف الدنيا وزينتها، والزهد فيما يقبل عليه الجمهور من لذة ومال وجاه والإنفراد عن الخلق في الخلوة للعبادة، وكان ذلك عاماً في الصحابة والسلف، ولما فشا الإقبال على الدنيا في القرن الثاني وما بعده ، وجنح الناس إلى مخالطة الدنيا، اختص المقبلون على العبادة باسم الصوفية والمتصوفة"(1).
وهذا ما أشار إليه (ابن الجوزي ) في (تلبيس إبليس) بقوله"كانت النسبة في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإيمان والإسلام، فيقال:مسلم ومؤمن، ثم حدث اسم زاهد وعابد، ثم نشأ أقوامٌ تعلقوا بالزهد والتعبد فتخلوا عن الدنيا وانقطعوا إلى العبادة واتخذوا في ذلك طريقةً تفردوا بها، وأخلاقاً تخلقوا بها" (2).
وإلى هنا والسياق العام للتصوف كان لا يزال موحد الهدف والغاية وإن تعددت الطرق. فتزكية النفس ومجاهدتها والترقي في مدارج الربانية مقامات وأحوال وما يلحق ذلك من تهذيبات أخلاقية وإعلاء للجوانب القيمية التي تجسد الملامح الإنسانية والعالمية في الرسالة الإسلامية،شكل جميع ذلك المساق العام للتصوف الأول.
ومع الانفتاح الثقافي الذي شهدته الحضارة الإسلامية في العصور الوسطى, تمازجت الكثير من العلوم والمعارف الإسلامية بالفلسفات الأجنبية، وكان التمايز في أساليب التعامل مع ثقافة الأخر سبباً رئيساً في حالة التشرذم والتفرق- أوالتنوع  والإثراء كما يفضل البعض أن يصف- فظهرت الفرق والمذاهب الفقهية والعقائدية والفلسفية ولم تكن الصوفية بمنأى عن هذا التفاعل الثقافي بسلبياته وإيجابياته .
ولم تقف السلطات السياسية على الحياد فكان للسلاطين والأمراء بصماتهم وتأثيراتهم ومحاولاتهم في فرض أنماط ثقافية تضمن لهم بسط السيطرة وتوسيع النفوذ.
وفي هذه الأجواء تم إعادة تشكيل التصوف وعزله ليتحول إلى غاية في حد ذاته لمنتسبيه ووسيلة تضمن من خلاله السلطات المتعاقبة صرف الجماهير عن التفكير في القضايا العامة وإشاعة ثقافة تحقير الحياة بين العامة وإشاعة الجبرية والتواكل والسلبية والاستسلام وأصبح الإسلام صنو المسيحية القديمة التي دفعت البعض لوصف الدين بأفيون الشعوب،وتم إحكام حصار التصوف في حدود الورع والتقشف بعد مزجه بالفلسفة العقلية وإدخاله في متاهات المعرفة الإشراقية والوقوف به عند مسائل تمتد من الحلول إلى الوحدة المطلقة وتحويله إلى طرائق للذكر وحلقات للرقص والتأوه ومجموعة من البدع والتمائم، وأصبح التصوف هدفاً بحد ذاته لا وسيلة لإعادة تأهيل الإنسان ومحطة لإعداده حتى ينطلق في ميادين الحياة الرحبة بانياً ومعمراً ومجاهداً في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان وساعياً في مناكب الأرض يبتغي من فضل الله المسخر له في السموات والأرض.
إلا أن الضمير الديني بما يتضمنه من نقاء ومثالية كان عصياً في كثير من الأحايين على محاولات التطويع ولهذا سجل التاريخ الكثير من محاولات التمرد على الأغلال التي فرضت على التصوف والانتصار لحقيقته بيد أن هذه اليقظة الواعية اقتصرت على بعض أعلام المدرسة الصوفية وحال الجهل دون ترجمة هذه اليقظة إلى صحوة شعبية تشمل على الأقل أتباع هؤلاء الأعلام أنفسهم.
جميعنا نحفظ صرخات الشيخ أحمد بن علوان المدوية في وجه الفساد السياسي السائد في عصره:
عارٌ عليك عماراتٌ مشيدةٌ
                     وللرعية دور كلها دمن
هذي تهامة لا دينار عندهم
                ولحج أبين بل صنعاء بل عدن(3)
وإذا فتشنا اليوم بين أتباع الطرق الصوفية عمن يحمل هذه الروح لن نجد سوى أتباع  للطرق القديمة التي أنشأها الفاطميون والعثمانيون من بعدهم لتحويل الدين إلى دين شعبي لإلهاء الناس به بعيدا عن السياسة، والسيطرة بالدين على مصائر الناس، وتوجيههم نحو طاعة المشايخ،وطاعة ولي الأمر.
وصارت الصورة التي تتبادر إلى الذهن عندما يذكر التصوف،صورة الدراويش والخزعبلات، وتقاليد الحياة الشعبية التي ارتبطت بالصوفية  من مبتدعات وممارسات الأصل أن تندرج في باب الفلكلور لا في باب العبادات.
ويلحظ الجميع أن الكثير من منتسبي الصوفية لا يكتفون بموقفهم السلبي من الحياة العامة وقضايا الناس وحقوق الإنسان وحرياته والفساد والاستبداد الداخلي والاحتلال الأجنبي وأمثال هذه القضايا المصيرية لا يكتفون بالموقف السلبي إزاءها  بل يتبرعون للدفاع والتبرير وتزهيد الناس من الاهتمام بهذه القضايا ويساهمون في تخدير وتزييف الوعي الشعبي .
وإضافة إلى الدور السلبي لصوفية اليوم في الجانب السياسي تفتقر المدرسة الصوفية لأي مراجعات جادة لمواريثها الفكرية والثقافية المليئة بغبار عصور الانحطاط والتخلف والتي أصبحت اليوم من وسائل الصد عن سبيل الله والفتنة للذين كفروا وحتى بعض المؤمنين.-وللأمانة العلمية أود أن أشير إلى أهمية بعض المراجعات الحريصة على إعادة التصوف إلى حقيقته والتي يلحظها المتابع في أحاديث وحوارات الداعية اليمني الحبيب علي الجفري على سبيل المثال.
ولذلك أنتقد معظم رواد الحركات الإصلاحية الحديثة التصوف والمتصوفة  كالأفغاني والكواكبي وإقبال، لخطورته على نضال المسلمين ضد القهر في الداخل والاستعمار في الخارج. وكان أهل السلف قد نقدوهم من قبل وسماهم ابن تيمية "أولياء الشيطان" وميز بينهم وبين "أولياء الرحمن". وبين خطورتهم على الشرع والأحكام الشرعية التي تقوم على التمييز بين الحلال والحرام وليس على التوحيد بين كل شيء وكل شيء باسم المحبة المتبادلة والحب الإلهي.
وفي دراسة جديدة للمفكر الإسلامي حسن حنفي أستعرض الكثير من الانعكاسات السلبية للصوفية المعاصرة وأكد أن التصوف مازال  في حاجة ماسة إلى إصلاح، إلى أن يتحول من المحور الرأسي إلى المحور الأفقي، ومن العلاقة بين الإنسان والله إلى العلاقة بين الإنسان والإنسان، ومن الصعود من العالم إلى الله إلى النزول من الله إلى العالم، ومن الذهاب من الدنيا إلى الآخرة إلى العودة من الآخرة إلى الدنيا و من "التأويل" إلى "التنزيل" حتى تلحق الأمة بغيرها من الأمم بدلا من تصنيفها في عداد الأمم المتخلفة، وأعداؤها من الأمم المتقدمة.
وأشار إلى أهمية خروج التصوف من الباطن إلى الظاهر، ومن الداخل إلى الخارج، ومن أفعال القلوب إلى أفعال الجوارح. وقال أن ما تحتاجه الأمة الآن هي الأفعال في الخارج وليس في الداخل.
وقال أن التصوف يحتاج  إلى أن يتغير من المقامات والأحوال السلبية، المقامات كالرضا والتوكل والورع والخشية والتوبة والفقر، والأحوال مثل الشكر والقبض والخوف إلى مقامات وأحوال إيجابية، مثل المقاومة والرفض والغضب والتمرد والاعتراض والثورة على الأوضاع حتى تتحول الجماهير من سلبية ولامبالية ، إلى إيجابية وملتزمة بالعودة إلى حمل الأمانة وتحقيق الرسالة. كما يحتاج التصوف إلى التحول من علوم الذوق إلى علوم النظر، ومن العلم اللدني إلى العلم الإنساني حتى يسيطر المسلمون على نظم المعلومات، ويشاركوا في ثورة الاتصالات. وبدلا من الكرامات يجتهد المسلمون في تحقيق مطالبهم دون التضرع إلى الأولياء الصالحين،
وأكد الدكتور حنفي أنَّ مستقبل التصوف في أمسِّ الحاجة إلى أن يتبنى المنتسبون له مشروع مقاوم لأعداء الأمة، وأن يكون لهم دور فعَّال في الجانب السياسي ومواجهة الهجمة الشرسة التي تتعرض لها الأمة من الخارج وألا يقتصر دورهم عند الجانب الروحي فقط بل لا بد أن يتبنوا منهجًا إسلاميًّا شاملاً يهتم بمناحي الحياة كما يهتم بالجوانب الروحانية، وأشار إلى أنَّ معظم المنتسبين للطرق الصوفية لا يتصدون للأنظمة التي تحكم العالم الإسلامي بالحديد والنار وتكبت الحريات، بل إنَّ بعضهم يوالي هذه الأنظمة، ويسير في ركابها، وطالب الدكتور حنفى هذه الطرق مراجعة نفسها، وأن تعود للنبع الصافي في الكتاب والسنة(4).
وأناهنا لا أتفق بالضرورة مع كل التفاصيل التي ذكرها حسن حنفي وتخصيصاً نعته لمقامات التوكل والورع والتوبة بالسلبية مع أن العيب لا يكمن في هذه المقامات بقدر ما يكمن في طريقة فهمها وجهل حقيقة هذه المقامات الجوهرية التغييرية لا الاستسلامية الشائعة. كما أن علاقة الإنسان بالله والرحيل إليه وتصويب النظر نحو الدار الأخرة كل ذلك يخضع لطريقة التفسير والممارسة الناتجة عن هذا الفهم أو ذاك فالعلاقة بالله علاقة إيجابية وقوة محركة وباعث للتحرر الحقيقي وهذا ما أثبته الكثير من رموز الصوفية الذين أكدوا ارتباط الخلاص والحرية بالتمرد والثورة على المعطى المشروط بالعبودية لغير الحق تأمل هذه الإشارة للإمام ( النفري) :
"أوقفني في الوقفة وقال لي : الوقفة تعتق من رق الدنيا والآخرة.
وقال لي : الواقف لا يقبله الأغيار ولا تزحزحه المآرب .
وقال لي : العالم في الرق
,والعرف,مكاتب, والواقف حر" .
وهل هناك حرية أسمى من هذا التوق إلى التخلص من متعلقات السوى والخلق والوقوف مع الحق و التماهي بالمصدر الفاعل الحق اللامتناهي الدائم الوجود.
وبغير التوق إلى الآخرة التي جعلها الله للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فسادا لن يصمد المجاهدون من أجل التغيير طويلا في خط الثورة والنضال لتحقيق ما يصبون إليه من مستقبل أفضل.
ولسنا في مقام التناول النقدي لما أورده حسن حنفي، والتعقب على ملاحظاته لا يقلل من أهمية ما تضمنته هذه الدعوة إلى المراجعة الجادة لمواريث ومسالك التصوف العتيقة.
وفي جميع الأحوال من المهم جداً أن يدرك الصوفية أن الوقت قد حان لتصحيح مسار التدين الصوفي لكي يصب في خدمة المقاصد السامية التي أرادها الشارع من تحقيق لسعادة البشرية وتقدمها في فضاءات تملأها الحرية والعدالة والمساواة والإخاء والمحبة، وأن يدركوا أن التصوف ليس غاية في حد ذاته ولا قيمة له ما لم يكن معراجاً إلى تحقيق هذه الغايات النبيلة
إحالات:
1- مقدمة ابن خلدون ص 504-ط- دار الفكر بيروت2004
2-ص199
3-كتاب الفتوح تحقيق الأستاذ:عبدالعزيز سلطان
4-(مجلة التجديد العربي ت3\10\2005 م
*نشر في الملحق الثقافي لصحيفة الجمهورية اليمنية العدد(358)
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر