عواصف الترابي والردود الهوجاء نبرات الثأر ولغة الحوار
كتبهامجيب الحميدي ، في 13 نوفمبر 2006 الساعة: 22:07 م
كتب مجيب الحميدي
بين المسارعين إلى تكفير الترابي والمطالبين باستتابته أو إقامة حد الردة عليه، والمسارعين إلى الدفاع والتبرير تكمن خطورة الإثارات الإعلامية المتجددة لآراء الترابي القديمة الجديدة والتي تتبدى وكأنها نتاج تخطيطات متسلسلة مدروسة، ويبدو لأول وهلة وكأن الترابي نفسه هو المسؤول عن هذه الإثارات مع أن المتابع يدرك مدى معاناة الرجل من الإثارات الأخيرة ومسارعته على غير عادته إلى توضيح وتصحيح ونفي الكثير مما ينسب إليه وإشاراته المتكررة إلى أن بعض الصحافيين يستهويهم اسم الترابي فينسبون إليه مالم يقله.
وفي هذا السياق تأتي الردود المتشنجة والمسكونة بعقدة الثأر المذهبي أو السياسي والتي تتغلب عليها لغة التحامل و المبالغة إلى درجة تقويل الرجل مالم يقل وعدم الحرص على استيضاح حقيقة ما يشاع ، ومسوغات ما يصح وسياقاته، تأتي هذه الردود لتكشف رعونة أصحابها وحماقتهم وهشاشة المنهجية التي يبنون عليها أحكامهم على الآخرين، وتؤدي إلى نتائج عكسية تتيح ترويج وتسلل الأفكار التي يشتطون في محاربتها- و بصورتها المغلوطة المهوَلة- وقد تجد من يقول ما دام الشيخ الفلاني يقول كذا وكذا فأنا معه. مع أن نسبة تلك المقولات لمن يقلده غير صحيحة.
وهكذا تؤدي مواجهة ما يسميه البعض شطحات التفكير بشطحات التكفير إلى استفزاز عدد من ردود الفعل الدفاعية وتحول المهاجم إلى موقف الدفاع فضلاً عن إحداث ذلك لقدر من البلبلة والإرباك والحيرة، والمحصلة النهائية أغلبية محايدة صامتة وأقليات متطرفة ذات اليمين وذات اليسار.
ولعل هذه هي النتيجة المرغوبة لدى الجهات التي تخطط لإثارة هذه الزوابع والإعلان من وقت لآخر عن اكتشافات لفتاوى جديدة للترابي سبق أن أعلنها في السبعينات من القرن الماضي بعد أن تضيف إليها بعض البهارات "لزوم الجدة و الإثارة".
فأساطين صناعة تحييد الأغلييات يلجئون أحياناً إلى إثارة قضايا جدلية بأساليب لا تستدعي نقاشاً جاداً بقدر ما تعزز هواجس الحيرة لتلوذ الأغلبية بصمت احتجاجي وعزوف عن المشاركة الفاعلة الجماعية في النضال من أجل ترجمة الأحلام المجتمعية وينشغل الأفراد بمشاريعهم الخاصة وطموحاتهم المحدودة.
وتلجأ بعض الأقليات هنا أو هناك إلى الدفاع عن قضاياها الوجودية نيابة عن الأغلبية الصامتة بردود أفعال متشنجة وطائشة غير محسوبة النتائج تحت دعوى محاولة إيقاظ الأمة ونحو ذلك.
منتجة هذه السياسات لا تصدر في الغالب عن مؤسسات مسؤولة تهتم بالمستقبل وتحرص على المصلحة الحقيقية للوطن ،بقدر ما تعكس مطالب مؤسسات استعمارية خارجية أوأنظمة فردية تعتبر مصلحة الحاكم الفرد: الحاضر والمستقبل والدين والدنيا والثابت الوحيد الذي لا يتغير.
ومهما يكن من أمر وحتى لا نفرط في التشاؤم فأمثال هذه الإثارات لا تخلو من فائدة، و لعلَ أهم هذه الفوائد دفع الناس إلى الاهتمام بالقضايا الفكرية التأصيلية بعد أن بات البعض يشكو من طغيان الجوانب السياسية واستبداد الاهتمامات الشخصية .
هذه التوطئة استدعتها التناولات الإعلامية الجديدة لما أطلق عليها الفتاوى الجديدة للترابي .
هذه المرة استبق موقع (المؤتمرنت) بعض خطباء الجوامع مبشراً بفتاوى جديدة للترابي وجاء الخبر تحت عنوان – الترابي ينفي وجود عذاب القبر وليلة القدر- فتشت كثيراً في تفاصيل الخبر- المنقول عن تصريحات لصحيفة الوطن السودانية- بحثاً عن مضمون العنوان فوجدت الخبر في وادِ والعنوان في واد، الخبر جاء فيه" أن صحيفة الوطن السودانية نشرت تصريحا للدكتور حسن الترابي جاء فيه( إن الجهلاء لم يفهموا حديثه عن ليلة القدر على وجه صحيح
"، وأضاف إنه لا توجد ليلة قدر بالمعنى الذي يتصوره أو يصوره بعضهم، وإنما هي مناسبة تشبه العيد، مثل غزوة بدر التي كانت مناسبة فاصلة بين الإيمان والكفر"، وفق التصريحات المنسوبة إلى الترابي.
وفي مسألة شائكة أخرى هي "عذاب القبر" قال الترابي: "هناك من يقول بمنكر ونكير وعذاب داخل القبر، وهذا غير صحيح، فالإنسان حينما يموت تصعد روحه لله سبحانه وتعالى، أما الجسد فيتآكل وينتهي ولا يبعث مرة أخرى، وإنما يقوم الله سبحانه وتعالى بخلق جسد جديد من الطين، الذي خلق منه الإنسان لنفس الروح"، على حد تعبيره).
فالترابي حسب الخبر يوضح لبساً لحديث سابق له عن ليلة القدر، فهم منه بعض من وصفهم بالجهلة إنكاره لليلة القدر فأكد أنه لا ينفي وجودها وإنما ينفي تصورات معينة لدى البعض حول هذه الليلة وبإمكان القارئ المهتم أن يعود إلى موقع المؤتمر نت ليتأكد مما أشرت إليه، ولن يحتاج إلى كثير جهد ليكتشف البون الشاسع بين نفي تصور معين لليلة القدر وإنكار وجودها.
أما ما يتعلق بعذاب القبر فأنا أقَدَر أن يلتبس السياق على من لا يمتلك خلفية علمية حول هذا الموضوع . فلهذا الموضوع تفاصيل كثيرة لا أظن أنها تخفى على الشيخ عبد المجيد الريمي الذي سارع إلى التكفير والمطالبة بإقامة حد الردة- حسب ما نقلته عنه صحيفة الشموع- ولعله وقع تحت تضليل محرر الصحيفة التي حرصت على تضليل القارئ في عنوان المانيشت الخارجي الذي نسب تصريح التكفير إلى الشيخ عبد المجيد فتبادر إلى القراء أن المقصود الشيخ عبد المجيد الزنداني.
وعموماٌ لو أعاد القارئ المدرك قراءة تصريح الترابي السابق ولاحظ عبارة "عذاب داخل القبر" ضع خطاً تحت كلمة – داخل- وأعاد قراءة هذا النص في تصريح الترابي أنف الذكر" فالإنسان حينما يموت تصعد روحه لله سبحانه وتعالى، أما الجسد فيتآكل وينتهي ولا يبعث مرة أخرى، وإنما يقوم الله سبحانه وتعالى بخلق جسد جديد من الطين، الذي خلق منه الإنسان لنفس الروح" سيجد بالفعل أن هذا القول لا يتفق مع ما ذهب إليه جمهور أهل السنة إلا أن ما أود أن أشير إليه أن ما جاء في تصريح الترابي لا يختلف كثيراً عما ذهب إليه بعض علماء أهل السنة والجماعة كالإمام ابن حزم وابن هبيرة ولا أظن أن الشيخ الريمي لم يطلع على تفاصيل الأقوال التي أوردها الإمام إبن القيم الجوزية في كتابه (الروح) حول اختلافات العلماء من أهل الحديث وأهل الكلام بشأن عذاب القبر ففي سياق ذكره لمجمل الأقوال ذكر قول من يرى بعدم عذاب البدن في القبر قال الإمام إبن القيم :" هؤلاء ينكرون عذاب البدن في البرزخ فقط ويقولون إن الأرواح هي المنعمة أو المعذبة في البرزخ فإذا كان يوم القيامة عذبت الروح والبدن معا وهذا القول قاله طوائف من المسلمين من أهل الكلام والحديث وغيرهم وهو اختيار ابن حزم وابن مرة"(1) وأستعرض الإمام إبن القيم رأي من لا يرى جواز تسمية الملائكة بمنكر ونكير فقال:"وقال كثير من المعتزلة لا يجوز تسمية ملائكة الله بمنكر ونكير وإنما المنكر ما يبدو من تلجلجه إذا سئل والنكير تقريع الملكين له(2)
وأورد الإمام إبن القيم الأقوال التي وصفها بالشاذة والضلال لمن أسماهم "أهل الإسلام" ليقطع الطريق على عشاق تكفير المسلمين تحت دعوى أن التكفير حكم من أحكام الشريعة دون الالتفات إلى الشروط والموانع والمخاطر التي يجب مراعاتها ، وليجسد بذلك منهج أهل الإنصاف والعدل والذي يلتقي اليوم مع أحدث مناهج البحث العلمي فيورد رأي بعض المذاهب الكلامية التي أنكرت عذاب القبر كلية فيقول:"وأنكر جماعة منهم-يعني المعتزلة- عذاب القبر رأسا مثل ضرار بن عمرو ويحيى بن كامل وهو قول المريسى"(3) وفي سياق آخر يورد هذا الرأي ويقارنه بقول الفلاسفة الملاحدة فيؤكد أن هذا الرأي الذي لايؤمن بعذاب القبر ولكنه يؤمن بالبعث أفضل من مذاهب الملاحدة الذين ينكرون البعث فيقول :"والقول الثالث الشاذ قول من يقول إن البرزخ ليس فيه نعيم ولا عذاب بل لا يكون ذلك حتى تقول الساعة الكبرى كما يقول ذلك من يقوله من المعتزلة ونحوهم ممن ينكر عذاب القبر ونعيمه بناء على أن الروح لا تبقى بعد فراق البدن وأن البدن لا ينعم ولا يعذب فجميع هؤلاء الطوائف ضلال في أمر البرزخ لكنهم خير من الفلاسفة فإنهم مقرون بالقيامة الكبرى"(4) وبهذا المنطق العلمي الرفيع يستطرد الأمام إبن القيم في ذكر الأقوال التي وصفها بالشاذة فيقول:" فالقول الثاني الشاذ قول من يقول إن الروح بمفردها لا تنعم ولا تعذب وإنما الروح هي الحياة وهذا يقوله طوائف من أهل الكلام من المعتزلة والأشعرية كالقاضي أبى بكر وغيره وينكرون أن الروح تبقى بعد فراق البدن وهذا قول باطل وقد خالف أصحابه أبو المعالي الجريني وغيره بل قد ثبت بالكتاب والسنة واتفاق الأمة أن الروح تبقى بعد فراق البدن وأنها منعمة أو معذبة والفلاسفة الإلهيون يقرون بذلك لكن ينكرون معاد الأبدان وهؤلاء يقرون بمعاد الأبدان لكن ينكرون معاد الأرواح ونعيمها وعذابها بدون الأبدان وكلا القولين خطأ وضلال لكن قول الفلاسفة أبعد عن أقوال أهل الإسلام"(5)
يستطيع الباحث المنصف أن يلمح من خلال ما سبق الفرق الشاسع بين طريقة تعامل الأئمة الأعلام الراسخون في العلم مع الآراء وقدرتهم على التفريق بين القضايا القطعية المعلومة من الدين بالضرورة و بين من يعتمد على الاستناد إلى رأي "الجمهور"، و"الإجماع"، و"الرأي المعتمد"، وحشد الأدلة بغض النظر عن مدى قوتها وضعفها، ومستوى الدلالة فيها فالبعض إذا قرأ آية قرآنية و قرأ سطراً في تفسيرها اعتقد أن فهمه لهذه الآية من المعلوم من الدين بالضرورة وأن من يخالفه هذا الفهم "مكذب بالقرآن" ومن ثمَ فهو"كافر" مثله كمثل"الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فمثله …..ولا أسوق هذا من باب التهكم فقد استمعت بالفعل لأحد كبار خطباء أمانة العاصمة وهو يورد هذه الآية و يحشد الآيات التي نزلت على الكفار والمنافقين ليستدل بها على خروج الترابي من الإسلام وضرورة إقامة حد الردة عليه ولله في خلقه شئون.
وبعد نشر موقع المؤتمرنت للخبر السابق نشرت إحدى الصحف المحلية تصريحاً لأحد المشايخ يؤكد خروج الترابي من الدين ويطالب بتطبيق حد الردة عليه لأن"من أنكر عذاب القبر كذَب بالقرآن ومن كذَب القرآن كفر"معتمداً على فهم ظني لنص قرأني كمن يحتج بما فهمه من قوله تعالى:
(النار يعرضون عليها غدواً وعشياً ويوم تقوم الساعة) ويتجاهل أقوال علماء التفسير المتعددة في تفسير الآية ويتجاهل أيضاً أن القائلين بإنكار عذاب القبر استدلوا كذلك بفهمهم لآيات قرآنية كقوله تعالى: {وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ}وقوله تعالى {لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الأُولَى}فهل يحق لهؤلاء أيضاً أن يكفروا مخالفيهم بحجة تكذيب ما فهموه من القرآن ؟؟
وحسناً فعل الزملاء في(المؤتمرنت) في اختيار القاضي العلامة محمد بن إسماعيل العمراني ليرد على أقوال الترابي مع أن الزميل الذي نقل إليه أقوال الترابي لم يتحرى الدقة في النقل ولهذا كانت إجابة القاضي العمراني مبنية على صيغة السؤال الذي صور له أن الشيخ أن الترابي ينكر وجود ليلة القدر والأمر ليس كذلك كما بيَنا سابقاً ولهذا أجاب الشيخ العمراني بقوله:" : لقد أجمع علماء المسلمين على وجود ليلة القدر، ولم يخالف هذا الرأي أحد منهم وإنما اختلفوا في تحديد موعدها، هل في العشر الأُوائل، أم الأواسط، أم الأواخر، وهل في الليالي الفردية أم الزوجية، ومسألة وجود ليلة القدر فيها (44) قولا للعلماء، وليس بينهم أحد قط قال بعدم وجود هذه الليلة، لأن مسألة وجودها مثبت في الكتاب والسنة والإجماع".مع أن الترابي لا يختلف معه في وجود ليلة القدر وحول عذاب القبر قال العمراني:" لا ينبغي لأحد مناقشة عالم الغيبيات، ولكن عليه الإيمان بها فقط، إتباعاً لأحاديث نبوية صحيحة ومتواترة كلها تؤكد حالة الإنسان بعد موته في حياة البرزخ، إما عذاباً أو نعيماً." ولو دققنا لما وجدنا اختلافا كبيراً بين ما قاله العمراني وما ورد في تصريح الترابي ومع ذلك فقد كان القاضي العمراني موفقاً حين اكتفى بالرد العلمي على ما نقل له دون الانزلاق إلى منزلق التكفير وقد قرأت له قبل أشهر في مجلة النور تحذيراً للمتسرعين في تكفير الدكتور الترابي أشار فيه إلى خطورة التكفير وما يترتب عليه من مخاطر وهذا شأن كبار العلماء الأعلام فموقف العمراني الرافض لتكفير الترابي مثيل موقف الدكتور القرضاوي وموقف الشيخ عبد العزيز بن باز والشيخ عبد المجيد الزنداني والدكتور سلمان العودة والدكتور وهبة الزحيلي والدكتور محمد العوا والشيخ محمد بن المختار الشنقيطي وغيرهم من العلماء الذين ناقشوا أراء الترابي بأساليب رصينة تتفق مع منهج أهل السنة والجماعة وتقترب من القواعد التي سطرها الإمام إبن تيمية في التعامل مع الآراء الشاذة والتي تتلخص في قوله رحمه الله " فالمجتهد المستدل من إمام وحاكم وعالم وناظر ومفت وغير ذلك: إذا اجتهد واستدل فاتقى الله ما استطاع كان هذا هو الذي كلفه الله إياه، وهو مطيع للّه مستحق للثواب إذا اتقاه ما استطاع، ولا يعاقبه الله البتة خلافاً للجهمية المجبرة وهو مصيب؛ بمعنى: أنه مطيع للّه، لكن قد يعلم الحق في نفس الأمر وقد لا يعلمه،"(5) حتى الأقوال التي يعتبرها البعض مبرراً للمسارعة في التكفير يؤكد إبن تيمية أن هذه الأقوال لا تعطينا حق تكفير قائليها فيقول"ومن قال: إن القرآن العربي ليس هو كلام الله، بل بعضه كلام الله وبعضه ليس كلام الله فهو مفتر مبتدع، له حكم أمثاله. ومن قال: إن معنى آية الكرسي، وآية الدين، و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] و {تَبَّتْ يَدَآ أَبِى لَهَبٍ وَتَبَّ} [المسد: 1]، معنى واحد فهو مفتر مبتدع، له حكم أمثاله.وأما التكفير: فالصواب أنه من اجتهد من أمة محمد صلى الله عليه وسلّم، وقصد الحق، فأخطأ: لم يكفر؛ بل يغفر له خطأه"(6) و يؤكد ابن تيمية أن هذا هو المنهج الذي سار عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأئمة المسلمين فيقول"فمن كان من المؤمنين مجتهداً في طلب الحق واخطأ فإن الله يغفر له خطأه كائناً ما كان، سواء كان في المسائل النظرية، أو العملية، هذا الذي عليه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم، وجماهير أئمة الإسلام."(7)
ويضرب الإمام أبن تيمية مثلاً لكيفية تعامل أئمة السلف الصالح مع الأقوال الشاذة فيقول"وكان القاضي شريح ينكر قراءة من قرأ: {بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخُرُونَ} [الصافات: 12]، ويقول: إن الله لا يعجب؛ فبلغ ذلك إبراهيم النخعي فقال: إنما شريح شاعر يعجبه علمه. كان عبد الله أفقه منه، فكان يقول: {بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخُرُونَ} [الصافات: 12]
فهذا قد أنكر قراءة ثابتة، وأنكر صفة دلَ عليها الكتاب والسنة، واتفقت الأمة على أنه إمام من الأئمة"(8) .
وما ذكره إبن تيمية هنا يتفق مع ما نقله الإمام الشوكاني عن إمام الحرمين حول ظابط التكفير قال: " وقال إمام الحرمين في البرهان: إن الضابط فيه أن من أنكر طريقاً في ثبوت الشرع لم يكفر، ومن اعترف بكون الشيء من الشرع ثم جحده كان منكراً للشرع، وإنكار جزئه كإنكار كله"(9) ولا يتناقض ذلك مع حرص هؤلاء الأعلام على بيان ما يرونه صواباً أو خطأً يقول إبن تيمية "أما التصويب والتخطئة في ذلك فهو من كلام العلماء الحافظين من علماء المسلمين المنتسبين إلى السنّة والجماعة"(10).
ومن المؤسف اليوم أن نجد من يدعي انتسابه إلى هذا المذهب في حين تدفعه الخصومة الشخصية و منطق الثأر الأعمى إلى الخروج عن توازنه وعلى قواعد وأصول المنهج العلمي في التعامل مع الرأي المخالف كالدكتور جعفر شيخ إدريس الذي حاول الإدعاء أن كل مسألة خالف فيها الترابي فيها أحاديث متواترة في حين يدرك كل من له أدنى حصيلة من العلم أن الأحاديث المتوترة قليلة جدا وحولها خلاف كبير ومعظمها لا تتعلق بالأحكام ولا علاقة لها بالمسائل التي خالف فيها الترابي وعلى عكس ذلك فقد تضمن أشهر هذه الأحاديث تواترا تحذيراً ووعيداً بجهنم لمن ينسب لرسول الله عليه الصلاة والسلام قولاً لم يقله.
ما أشد حاجتنا اليوم إلى تجنيب القضايا العلمية والمنهجية نبرات الثأر والتشفي والمكايدات الشخصية أو السياسية وفتح الأبواب مشرعة للحوار البناء و المسؤول دون تعصب أو إقصاء أحادي بعيدا عن إرهاب التكفير واستدعاء محاكم التفتيش ومحاكمة الضمائر والنوايا .
هوامش
1-كتاب الروح –دار الفكر- ص51ط
2- نفس المصدر ص58
3- نفس المصدر ص58
4- نفس المصدر ص52
5- نفس المصدرص51
6- مجموع فتاوى إبن تيمية- دار عالم الكتب-الجزء19-ص155
7-نفس المصدر الجزء 12-ص162
8-نفسه الجزء 23-ص433-434
9- انظر" رسالة إبطال دعوى الإجماع على تحريم مطلق السماع"
10- مجموع الفتاوى- الجزء الرابع- ص319
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























يناير 7th, 2007 at 7 يناير 2007 8:12 م
دعوى عامة
حياكم الله في موقع عرب وورد بريس
إمتلك مدونة معنا…مجاناً
http://www.arwp.net
مجرد التجربة ستفيدك
” يمكنك نقل مواضيعك من أي مدونة إلى عرب وورد بريس بظغطة زر “