الإسراء والمعراج بين النص الديني والخيال الشعبي

كتبهامجيب الحميدي ، في 11 أغسطس 2007 الساعة: 16:56 م

مجيب الحميدي

اختلاط الحقائق الدينية بالأوهام البشرية حقيقة ثابتة أكدتها الوقائع وحذرت منها النصوص الصحيحة {فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم…}. وإذا كان الله قد تكفل بحفظ كتابه فقد شاءت إرادته أن يكون أكثر الأحاديث تواتراً وصحة هو حديث " من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار".

والدارس للعلوم الإسلامية يلحظ الكم الهائل من المرويات الضعيفة والموضوعة التي خالطت هذه العلوم ورغم الجهود العظيمة التي بذلها علماء المسلمين في غربلة هذه المرويات وكشف غثها وعللها إلا أن الناظر المتأمل في واقع المسلمين الثقافي والتربوي يصطدم بهيمنة كثيرمن المرويات الضعيفة على أذهان ومسالك العامة والخاصة . وقد لعبت الثقافة الشعبية دوراً كبيراً في ترجيح الكثيرمن علماء المسلمين وعامتهم لمرويات ضعيفة وتجاهل النصوص الصحيحة .

وكان لهذه المرويات الضعيفة دوراً خطيراً في تعزيز الاتجاهات الشعبية السلبية تجاه الكثير من القضايا ولعل أهم هذه الانعكاسات السلبية تعزيز التفكيرالخرافي واحتقار الأنوثة وانتقاص حقوق المرأة  وإشاعة روح السلبية والانعزالية و.و

  ولو تناولنا مثلاً موضوع المرأة ونظرنا في كثيرمن المفاهيم والسلوكيات السائدة وقارناها بصحيح النصوص لراعنا البون الشاسع بين ما تقرره شريعة السماء وما تقرره شرائع التقاليد الشعبية فعشرات الأحاديث الصحيحة التي أيدت ما ذهب إليه جمهور العلماء في عدم وجوب تغطية الوجه والكفين تنزوي منهزمة أمام خطابات الوعظ الشعبي.

وعندما يفتقد الجمهور إلى الدليل الصحيح في تنصيف دية المرأة ويعتمد على الأحاديث الضعيفة يسود هذا الفهم ويتبدى بثوب الرأي الأصوب الذي لا يقبل الخلاف ومن الغريب في أحاديث الديات أن أحد الأحاديث ينقسم إلى شطرين : شطر صحيح السند اعرض الجمهور عنه وهو قوله عليه الصلاة والسلام"وفي النفس المؤمنة مائة من الإبل" وتكملة منكرة السند ضعيفة هي السائدة "ودية والمرأة نصف دية الرجل".

ومنذعصر الصحابة رضوان الله عليهم تحدثنا كتب المريات أن أحدهم  كان   يروي عن رسول الله " لا تمنعوا إماء الله من بيوت الله" فينبري له أحدهم معترضاً :"والله لنمنعهنَ".

ولهذا لا غرابة اليوم أن يكون الرأي القائل بعدم جواز إمامة المرأة للرجال هو الرأي السائد الذي لايقبل النقاش رغم الاتفاق على أن جميع النصوص التي وردت في النهي عن ذلك ضعيفة وأن أحاديث الجواز صحيحة والأمثلة كثيرة  والحديث ذو شجون .

والمحزن أن صورة الإسلام اليوم تتعرض لكثير من الإساة على المستوى العالمي جراء هذه الأحاديث الضعيفة والموضوعة التي دسها الزنادقة قديماً لتشويه صورة الإسلام كما أكد ذلك ابن قتيبة في كتابه (تأويل مختلف الحديث) في قوله " الحديث يدخله الشوب من وجوه ثلاثة منها الزنادقة واحتيالهم للإسلام بدس الأحاديث المستشنعة والمستحيلة".

عبارة ابن قتيبة الآنفة  تذكرتها وأنا استعرض شبهات بعض المستشرقين التي تروجها بعض المواقع المسيحية واليهودية حول حادثة الإسراء والمعراج .

على أحد هذه المواقع يروج الكاتب عزت اندراوس للزعم القائل أن قصة المعراج استنسخت من قصة فارسية قديمة يقول الكاتب:  "ولننظر فيما إذا كان ما ذُكر عن معراج محمد أُخذ من قصة قديمة مشابهة لها أم لا. وإذا سأل سائل: ما هو مصدر قصة المعراج؟ قلنا: كتاب «أرتاويراف نامك» المكتوب باللغة البهلوية (أي اللغة الفارسية القديمة) ، في أيام أردشير بابكان ملك الفرس. وبيان ذلك أنه لما أخذت ديانة زردشت في بلاد الفرس في الانحطاط، ورغب المجوس في إحيائها في قلوب الناس، انتخبوا شاباً من أهل زرشت اسمه «أرتاويراف» وأرسلوا روحه إلى السماء. ووقع على جسده سُبات. وكان الهدف من سفره إلى السماء أن يطَّلع على كل شيء فيها ويأتيهم بنبأ. فعرج هذا الشاب إلى السماء بقيادة وإرشاد رئيس من رؤساء الملائكة اسمه «سروش» فجال من طبقة إلى أخرى وترقى بالتدريج إلى أعلى فأعلى. ولما اطلع على كل شيء أمره «أورمزد» الإله الصالح (سند وعضد مذهب زردشت) أن يرجع إلى الأرض ويخبر الزردشتية بما شاهد، ودُوِّنت هذه الأشياء بحذافيرها وكل ما جرى له في أثناء معراجه في كتاب «أرتاويراف نامك».

وينساق الكاتب وراء أوهامه مقارناً بين بعض المرويات والأثار التي وردت في كتب السير حول حادثة الإسراء المعراج وبعض العبارات التي وردت في كتاب «أرتاويراف نامك»  ليؤكد المقولة الشائعة حول وجود تشابه بين معراج محمد ومعراج أرتاويراف الوهمي.

وقد انبرى الدكتور حسين جمعة لتفنيد هذه الشبهة في كتابه الجديد الصادر عام2006 عن اتحاد الكتاب العرب بعنوان: مرايا الالتقاء والارتقاء بين الأدبين العربي والفارسي وتضمن الكتاب فصولاً أربعة بحثت في القواسم المتشركة بين الأدبين العربي والفارسي، والمؤثرات الفارسية في شعر الأعشى، ثم قصة المعراج في الأدب، وفلسفة الخيام في الرباعيات.

وخصص المؤلف الفصل الثالث من الكتاب لمرحلة صدر الإسلام  فاختار قصة المعراج النبوي بما تمثله من شهرة تركت بصماتها في إحداث نهضة أدبية وفكرية كبرى، رغم ما تداول به الدارسون حولها، واختلفوا في ماهيتها، وطبيعتها، وعليه فقد رغب المؤلف أن يكون العنوان: قصة المعراج في الأدب ـ قراءة مقارنة

وقصد المؤلف في هذا الفصل إلى كشف اللثام عن جملة من الأخطاء الفكرية، والتاريخية التي ذهب إليها بعض الدارسين حين جعل أحدهم معراج (أردافيراف) أصلاً للمعراج النبوي. أو حين صنف بعض الباحثين المعراج النبوي تحت مفهوم أدب الرحلات، أو الأدب المسرحي، وعدم تفهّم المعجزة الإلهية فيه، وهذا ما كان سبباً في تحريض المؤلف على تبني المنهج التاريخي التحليلي لعرض المعارج، وقصص الرحلات إلى العالم الآخر لمعرفة حقيقة الأمر. وبهذا الصدد تعرض المؤلف إلى ما يزيد على خمسين معراجاً ورحلة في هذا المجال. وكان قد عرض مفهوم الإسراء والمعراج وماهيته في العقيدة الإسلامية كما جاء في القرآن الكريم والأحاديث الصحيحة، وتوقف عند عدد من المعاريج، والرحلات بموازنة، ومقارنة مجيدة. وخاصة ما تعلق بالمصنفات الإسلامية، والغربية كملحمة (الكوميديا الإلهية) للشاعر الإيطالي دانتي. والفردوس المفقود للشاعر الإنكليزي (ملتون). وتدعيماً لهذه المسألة ألحق المؤلف بهذا الفصل ملاحق ستة مثلت مرايا للحقيقة كشفت مزاعم عديدة، وأرجعتها إلى مكانها الصحيح. كما أنهت خرافة أثر معراج (أردافيراف) في المعراج النبوي.‏

وكان الدكتور نذيرالعظمة قد تطرق في كتابه  (المعراج والرمز الصوفي) الذي صدر عن دار الباحث- بيروت 1982م ، لقصة الاسراء والمعراج باللغتين العربية والانجليزية وأحصى ما ينوف على عشرين قصة منشورة لموضوع الاسراء والمعراج مستقاة من القرآن الكريم والسنة من حيث معمارها الاساسي وشخصياتها ورموزها وقال أن المخيلة الشعبية اضافت وبالغت او ضخمت بعض جوانب من هذه القصة بما يلبي حاجاتها الجمالية ذائقة وخيالا، وأشار إلى ان هناك ما يقارب الاربعين رواية لحديث الاسراء والمعراج عن الصحابة والتابعين وتابعي التابعين كلها صحيحة تختلف في اجزاء الرواية وترتيبها لكنها تتفق في عناصرها الاساسية.

واهم هذه الروايات رواية مالك بن أنس، ثم ما رواه ابن اسحاق في السيرة التي اختزلت في سيرة ابن هشام ثم الرواية الشعبية المنسوبة الى ابن عباس وهي اوسعها وتنوف على الخمسين صفحة من القطع المتوسط.

وأشار العظمة إلى الفرق بين اهتمام اهل الحديث  بالصحيح من هذه الرويات لتوفر السند،ونظرة المهتمين بالأدب والفولكلور  الى ما تراكم منها كموروث شعبي إسلامي افرزته المخيلة المشتركة، ومعمار القصة واطارها العام وعناصرها الاساسية تتوفر في أغلب ما يسمى بقصص الاسراء والمعراج من مجئ جبريل الى الرسول عليه الصلاة والسلام والقيام بالرحلة الى بيت المقدس، والصلاة بالانبياء اماماً هناك، ثم الصعود الى السموات السبع,, ومقابلة النبي الموكل بكل سماء والحوار مع الملائكة لكل منها ثم زيارة الجحيم والنعيم والكلام عمن فيهما.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

عفواً، التعليقات ممنوعة لهذا الإدراج

« الروك والهوب والراب الإسلامي موسيقى في سبيل الله والمستضعفين
لا يزال في اليمن من يدافع عنها..ابن عثيمين والألباني يفندان شبهة إباحة زواج الطفلة »