أزمة الشورى في المجتمعات العربية والإسلامية

كتبهامجيب الحميدي ، في 15 أغسطس 2006 الساعة: 10:43 ص

أزمة الشورى في المجتمعات العربية والإسلامية

(1-2)

عرض: مجيب الحميدي

ما زلت أعتقد أن ثروتنا من المواهب الثمينة والكفاءات المثمرة كبيرة وأن حظوظنا من تلك المعادن النفسية لا تقل عن مثيلاتها لدى الدول العظمى!

كل ما هنالك من فروق أن غيرنا انتفع بما يملك وأتاح الفرص لبقائه ونمائه وعملت الحريات الموفورة عمل الأشعة في إنضاج الزرع وعمل المياه في إمداده بالنضارة والحياة.

أما في أرجاء العالم الإسلامي فإن الحكم الفردي -من قديم- أهلك الحرث والنسل وفرض ألواناً من الجدب العقلي والشلل الأدبي أذوت الأمال وأقنطت الرجال.

والغريب أن هذا التخريب يناقض مناقضة ظاهرة توجهات الإسلام في كل ناحية!

——————————————————————————–

بهذه الكلمات يفتتح الشيخ محمد الغزالي كتابه (أزمة الشورى في المجتمعات العربية والإسلامية) ويتساءل الشيخ هل في دين الله أهم من العقيدة؟ وبعد أن يجيب بالنفي يؤكد أن الاعتقاد في المنطلق القرآني نبت وسط حرية البحث وطلب البرهان (قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين).

ويستطرد: ليس هناك مجال لإلغاء العقل ورفض الرأي الآخر لابد من تبادل الحجج ونشدان الحقيقة وحدها, لا مكان لتكميم الأفواه وفرض وجهة نظر واحدة, صاحب الصواب لا يهاب النقاش, صاحب الحق يغشى به المجالس ويقرع به الآذان, المأساة تحدث من مبطل يريد بالعصا أن يخرس الآخرين ومع تفاهة ما عنده يقول مقالة قالها فرعون قديماً (ما أرأيكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد) فإلى أين قادهم؟ إلى الغرق في الدنيا والحرق في الآخرة؟

إن الاستبداد السياسي يبدد كل أسباب الارتقاء والتقدم ولا تصلح الحياة برجل يزعم العلم بكل شيء ويتهم الناس كلهم بأنهم دونه وعياً وفهماً ويؤكد الغزالي أن دولة الخلافة نهضت على دعائم الشورى, وكان المبدأ المقرر عند كل خليفة (إن رأيتم خيراً فأعينوني وإن رأيتم شراً فقوموني) ومن هنا أرست دعائم الحق إلى قيام الساعة.

ويشير المؤلف إلى أن الدول الكبرى الآن ليس فيها مكان للتفرعن والادعاء الأعمى إن هذه الآفات للأسف تكثر في الدويلات التي تعيش في غيبوبة التخلف والاستسلام لجلاديها.

وهذا الكتاب كما يقول المؤلف صيحة تحذير من غياب الشورى وإخفاء الحريات العامة وإهدار كرامات الشعوب.

الاستبداد السياسي

تعرض المؤلف في بداية كتابة لواقعنا العربي والإسلامي وما يشوب هذا الواقع من هوان وضياع نتيجة لغياب الشورى الحقيقية ولشيوع الاستبداد السياسي في هذا الواقع المؤسف, وأكد أن الاستبداد داء عصي ليس أسوأ منه إلا تجاهل أثره والتعامي عن خطره! وأشار الغزالي إلى أن الشورى لا يزال مفهومها غامضاً عند بعض المتحدثين ومفهوم مضاد لحقيقتها عند بعض آخر وقال: إن المفروض في الشورى أن تقي الأمة سيئات شتى منها إعجاب الغبي برأيه ورغبته في فرضه على الناس وقديماً قيل: من البلاء أن يكون الرأي لمن يملكه لا لمن يبصره ومنها أن المستبدين يضعون أنفسهم فوق المسؤولية, إنهم يخطئون الخطأ الرهيب, فإذا افتضحوا كان غيرهم غالباً كبش الفداء, والشورى إذا لم تق الأمة هذا البلاء فلا معنى لها.

وفي سياق الحديث عن ميزان الشورى يقول المؤلف أن الشورى ترد الحاكم إلى حجمه الطبيعي كلما حاول الانتفاخ والتطاول.

ويشير المؤلف إلى أن الجماعات البشرية السوية فيها رجال كثيرون يوصفون بأنهم قمم, أما البيئة المنكوبة بالاستبداد فدجاج كثير وديك واحد.

وقال المؤلف أن الاستبداد تطور في العصر الحديث وتحول إلى قدرة حاكم على تزوير الانتخابات العامة وجعل الكذب الوقح عملة متداولة شائعة ينظر إليها الكبار والصغار وقلوبهم منكرة وألسنتهم معقودة.

وبذلك يستقر الإفك وينهار الخلق وتمتلئ الحياة العامة بالوصوليين من أهل الجرأة وبالبرادع من أهل الزلفى!

وأشار المؤلف إلى أن الحكم الفردي ملأ أغلب الأقطار قديماً وكافحت شعوب عظيمة حتى نجت منه وإن دفعت الثمن غالياً حتى استردت حريتها وكسرت قيودها، وتاريخياً شهدت الإنسانية عصراً من الشورى في عهد الخلافة الراشدة, كان الحاكم فيه نموذجاً رفيعاً للإنسان الطيب المتواضع اللين الجانب الرحيم بالناس, السليم من علل التطلع والكبر, الذي يرى الكبير أبا والصغير ابناً والباقين إخوة, الملتزم بقوله تعالى (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لايريدون علواً في الأرض ولا فساداً).

ولم تقم للشورى يومئذ أجهزة دقيقة لأن طبيعة الحياة كانت تقوم على البساطة, -يقول المؤلف- ومع ذلك فإن أرقى ما وصل إليه الغرب في حضارته الإنسانية أو في فن الحكم, لم يزد عما حققته الخلافة الراشدة من أربعة عشر قرناً.

ويشير المؤلف إلى أن ديننا فيه نصوص كثيرة ترفض الرياسة والحرص على الإمارة وفيه ترهيب من استغلال النفوذ وجعل الحكم مصيدة للثراء سواء كان ذلك للمرء أم لأقاربه, وفيه تخويف من الظلم والاستهانة بآلام العامة وإيصاد الأبواب دون مطالبهم.

دين عظيم وواقع بائس

ومع هذه الآثار العظيمة -يقول المؤلف- أن التقاتل على الإمارة كان سمة ملحوظة في تاريخنا, ولم يكن ذلك بداهة تنافساً في مرضاة الله عز وجل وخدمة عباده بل كان تنافساً على حطام الدنيا ومتاعها المدبر.

ويشير المؤلف إلى أن الرسالة الإسلامية والجماهير الإسلامية وسيطرة السفهاء وما آل إليه أمرنا في هذا القرن من سقوط الخلافة وعبودية الأمة في القارات كلها هو النتيجة المحتومة لذلك العوج.

وبناء على ذلك يؤكد أن الاستبداد السياسي ليس عصياناً جزئياً لتعاليم الإسلام وليس إماتة لشرائع فرعية فيه, بل هو إفلات من ربقته ودمار على عقيدته!

فيجب أن نعلم أن كلمة التوحيد كما تعني إفراد الله بالعبودية تعني أيضاً ما يسمى في عصرنا بحقوق الإنسان وكرامات الشعوب.

ويضيف المؤلف ومن هنا فهم عمر أن الناس يولدون أحراراً فليس لأحد حق في أن يستعبدهم, وأن البشر عبيد أمام الله وحده, وسادة أمام غيره فما يسوغ أن يتلاشى إنسان وتذوب ذاته أمام إنسان مثله, فكيف يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله؟

ولماذا تنسى أوضاع يكون الولاء فيها لشخص يُهاب أكثر مما يهاب الله, ويرجى أكثر مما يرجى؟

يؤكد المؤلف أن الاستبداد السياسي صنع هذه الأوضاع وحماها.. وقبر تحت ترابها الأخوة الإنسانية والدينية فليس ثم إلا فرد يرغب ويرهب وآخرون يزلفون ويرتقبون ومراسم غريبة لوثنيات سياسية أعقد من الوثنيات التي اختلقتها الجاهليات الأولى.

ويختم المؤلف حديثه عن الاستبداد السياسي بهذا الإعلان (إن عبادة القصور على امتداد العصور ديانة خسيسة خلقها الحكم الفردي وزحم محاريبها بالأقزام والأفاكين.

وهي ديانة زاحمت الإسلام الحق وهزمته في ميدان الحياة العملية وجعلت العبقريات تتوارى والإمعات تتكلم بصوت جهير.<

 

 

 

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر