فقه الغناء والمعازف
من إبطال الباطل إلى إحقاق الحق
كان فيلسوف الإسلام الشاعر إقبال يقول: "إن جفاف المنطق لا يقوى على مقاومة نضرة الشعر". وقد أراد إقبال بمقولته هذه عن الشعر والمنطق أن يعرِِّفنا على أن الشكل الذي تُقدَّم فيه المبادئ ليس أمرا ثانويا. فكم من حقيقة ناصعة ضاعت بسبب سوء عرضها على الناس، وكم من باطل مكَّن له دعاة مهَرة. وقديما قال أحد الشعراء:
في زخرف القول تزيينٌ لباطـله والحق قد يعتريه سوء تعبـيرِ
تقول هذا مُجاج النحل تمدحـه وإن ذممت فقل قيء الزنـابـيرِ
مدحًا وذمًّا وما غيَّرتَ من صفةٍ سحر البيان يُرِي الظلماءَ كالنورِ
فليس كالفن والجمال حاملا لرسالة الحق والخير، إذ الفن –شعرا كان أو غناء- دفقات من الوجدان وومضات من العبقرية، لا تراود الأذهان عبر دروب متعرجة من المقدمات المنطقية الجافة والاستدلالات التجريدية الباردة، وإنما تغزو الوجدان غزوا، فتقذف فيه رسالتها وتأخذه بوهجها الآسر..
وفن الغناء بالمعازف من الفنون التي كثر حولها الجدل في تاريخنا الفقهي، فشاع في أمرها فقه التحفظ وسد الذرائع، لسبب وجيه ولغير سبب، وطغى فيها ما دعاه أخونا مؤلف هذه الدراسة ببلاغةٍ "الورع البدعي". وهذا الورع البدعي -الذي لا ينبني على رجحان الأدلة- ليس مما ينتسب إلى الحنيفية السمحة بنسب عريق، وإنما هو فرع من رهبانية أهل الكتاب وتنطعاتهم في الدين. وقد حذرنا النبي صلى الله عليه وسلم من اتباع مسالك أهل الكتاب، لا في تفلتهم من قيود شرعهم فقط، وإنما في تنطعهم وتكلفهم البدعي. فاتباع أهل الكتاب يكون في التضييق قبل التوسعة، كما يوحي به مجاز "جحر الضب" الوارد في حديث التحذير من اتباعهم.
وهذه دراسة رصينة، أخذت من أهل الحديث صرامةَ النقل والتحقيق في الرواية، وأخذتْ من أهل الفقه الغوصَ على المعاني، والتدقيق في دلالات الألفاظ، والتوفيق بين النصوص دون بترها من سياقها أو ضرب بعضها ببعض.. يقدم فيها الأستاذ مجيب الحميدي رؤية شرعية أصيلة حول فقه الغناء والمعازف، مبناها سبر المسائل الشرعية بالدليل المجرد، وسعة الاستقراء في عرض الآراء المتباينة، دون تقيد برأي فقهي سائد، أو رهبة من ذوق جماعي مسيطر.
وقد توصل أخونا الفاضل صاحب الدراسة إلى أن تحريم المعازف لم يكن مبنيا على ركن من الشرع ركين، وإنما كان ردة فعل مغالية على سوء التطبيق الذي ساد بعد القرن الأول الهجري، حين ارتبط الغناء بمجالس الخمر والمجون. وهو يبني رؤيته الفقهية هذه على تراث أحد مجددي أمر الدين، وحاملي راية الاجتهاد في عصر التبلد والتقليد، الإمام محمد بن علي الشوكاني. فقد اعتبر الشوكاني الغناء ذريعة إلى الحرام "إذا كان مشتملاً على ذكر القدود والخدود، والدلال والجمال، والفم والرشف، والتهتك والكشف، ومعاقرة العُقار، وخلع العِذار والوقار". واستثنى الشوكاني من الغناء ما كان "في ذكر الحرب وصفات الشجاعة والكرم، والتشبيب بذكر الديار، ووصف أصناف النِّعم". فالغناء والمعازف في هذا الفقه اليماني الأصيل وسائل لها حكم مقاصدها، فهي لا تُُمدح أو تُُذم لذاتها.
ويسير المؤلف الكريم على خطى الإمام الشوكاني الذي حذر طلاب الحق في رسالته (رفع الجناح عن نافي المباح) من "هيبة الجمهور"، ومن "جعْل الكثرة بمجردها من موجبات الرجحان ودلائل الإصابة". وما أثمنها من نصيحة في أيامنا هذه التي سادت فيها الأجوبة السهلة على الأسئلة الصعبة، وطغت مجاراة الجمهور وما ساد من قولٍ بديلا عن المساءلة العلمية والشك المنهجي، وأصبح التضييق والتحريج –لا البرهان والدليل- علامة العلم الواسع، وآية التقوى والالتزام. وحُقَّ لكاتب هذه الدراسة القيِّمة أن يَرثِي تراجُع الجِدِّ العلمي والشجاعة الفقهية، وسيادة "الخوف من عوام المتدينين"، "وترك المجال للوعاظ المتنطعين"، الذين يسعون إلى سد منافذ الشر من غير فقه، فيسدون معها أبواب الخير الواسعة..
وليس يلام فقهاء الماضي أن استجابوا لظروف عصرهم، أو اجتهدوا رأيهم بما يحفظ العفاف، ويحمي من الإسفاف. وإنما يلام فقيه اليوم إن أخذ اجتهادا محدودا بظروف الزمان والمكان مأخذ الأصل الشرعي الثابت، أو غض الطرف عن الضعف البنائي الذي يظهر أحيانا في الآراء الفقهية الموروثة، أو تجاهل تبدل المصالح، وإجمال الأدلة، وتجدد الوقائع..
وقد أبان المؤلف الكريم -ومن قبْله الإمام الشوكاني- عن أن التوسع في الاستقراء وفحص الأقوال السائدة بفقهٍ وثّابٍ غير هيّابٍ، يظهر ضعفا مزمنا في الأقوال المأخوذ بها اليوم حول الغناء والمعازف. وقد نسب الشوكاني باستقرائه الواسع إباحة الغناء بالمعازف لعدد من الصحابة، منهم –كما ورد بأسانيد صِحاح وحِسان- عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: "شبيه خلْقي وخلُقي"، وعبد الله بن الزبير رضي الله عنهما وهو إمام من أئمة العلم والتقوى والجهاد، وحسان بن ثابت رضي الله عنه شاعر رسول الله صلى الله عليه وسلم وحامي عرضه من سهام المشركين.
كما نسب الشوكاني إباحة الغناء بالمعازف إلى عدد من أعلام التابعين، منهم: سعيد بن المسيب، وخارجة بن زيد، وشريح القاضي، وسعيد بن جبير، وعامر الشعبي، وعطاء بن أ
























